فوزي آل سيف
106
أعلام من الأسرة النبوية
على بصرى (الشام) في الرد عندما أمر بقتل رسول النبي صلى الله عليه وآله، وكانت الرسل لا تقتل عندهم، مهما كانت عداوة الطرفين.. على أثر ذلك أمر النبي بتجهيز جيش لمواجهة هذا الاعتداء الغاشم، فاجتمع لهذا الغرض ثلاثة آلاف مقاتل، وساروا باتجاه الموضع الذي قتل فيه رسول النبي، وقد أمّر النبي ثلاثة من القادة على هذا الجيش بالترتيب، كلما استشهد أحدهم قام الثاني مكانه، وقد اختلف فيمن كان الأول هل هو زيد بن حارثة الشيباني والثاني جعفر بن أبي طالب أو العكس، لكن الثالث بالاتفاق كان عبد الله بن رواحة. وقد وصلت أخبار هذا الجيش إلى الغسانيين بل إلى الروم فجمعوا عددا ضخما جدا من المقاتلين لمواجهة المسلمين.. ويرى بعض الباحثين أن العدد الذي يذكر عن جموع المشركين من عرب وروم مبالغ فيه للغاية حيث يذكر أنهم من مائتي ألف إلى أربعمائة وخمسين ألفا!![275] ويقال أن المسلمين قبل المواجهة تناقشوا وقد رأوا جموع الروم وأحلافهم، عظيمة العدد في جدوى الاقدام على القتال، ولكن القائد عبد الله بن رواحة حسم الأمر في أن المسلمين لم يكن نصرهم بكثرة عدد وإنما بصدق نية وعون من الله.. فكان هذا صاعق الحماس، والتحم الجيشان في ملحمة بطولية سطرها المسلمون ـــ على قلة عددهم ــــ وكثرة عدوهم فإننا وإن شككنا في دقة الأعداد التي ذكرها المؤرخون إلا أنها كانت أضعاف عدد المسلمين بلا ريب! وضحى المسلمون بالكثير من الشهداء في هذه المواجهة، ولم يكن متوقعا غير ذلك فإنه (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).[276] لا ينبغي أن يتوقع المسلم أنه في حالة نصر خارجي دائمة، وإنما الدنيا دول، فتارة للمسلمين وأخرى لعدوهم، والمسلمون في كلتا الحالتين فائزون! ولم يكن القادة المخلصون في آخر الصفوف، بل متى اقتضى الأمر كانوا في المقدمة يبعثون الحماس والنشاط ويسابقون غيرهم للشهادة، وهكذا فقد استشهد زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب وواجه الروم وهو ينشد: ياحبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دَنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها وحمي وطيس القتال، ولم يبقَ فيه أمل في النجاة والحياة، فنزل عن فرسه وعقرها (أو عرقبها)[277] و قاتل فقطعت يمينه فأخذ السيف بشماله وظل يقاتل فقطعت الشمال.. وقاتل حتى استشهد. عقر الفرس أو عرقبها؟
--> 275 ) تشير بعض الدراسات إلى أن المبالغة في العدد لها أسباب مختلفة، فمنها عدم انتهاج منهج علمي في الاحصاء والتقدير وإنما هو الاعتماد على البصر المجرد، ولهذا تجد الاختلاف الكبير الذي قد يصل أحيانا إلى الضعف في العدد! ومنها ما يرتبط بالتوظيف المطلوب للعدد فإن العدد الضخم الذي يتجاوز الواقع يخدم من يعظمه وذلك إنه إن انتصر عليه سيكون بطلا عظيما أن ينتصر بالعدد القليل على العدد الكثير، ولهذا نعتقد أنهم في الغالب يعظمون من خسائر العدو ويقللون من خسائر الذات، لهذا قال الأكثر أن عدد قتلى المسلمين في معركة مؤتة كانت بحوالي 10 شهداء، بينما عدد قتلى المشركين كان 3000 قتيل وهو أمر يصعب تصديقه! وإن انهزموا أمامهم فإن كثرة العدو المبالغ فيها قد تكون شفيعا لهم في هذه الهزيمة، فسيكون من التبرير المنطقي أن 3000 مقاتل لا يمكن أن يثبتوا إمام أربعمائة ألف أو مائتي ألف!!على أن تجهيز هذا العدد ـ إذا فرضناه 400 ألف ـ من الناحية البشرية والعسكرية واللوجستية خلال فترة قصيرة من الزمان هي ما بين حركة جيش المسلمين من المدينة إلى وصوله إلى قرب منطقة المواجهة ووصول الخبر للعدو وهي قد لا تصل إلى شهر من الزمان، مما يكون غير معقول بالنظر العسكري، كما يراه الخبراء في هذا الجانب! 276 ) النساء /104 277 ) عَرْقَبَ الدَّابَّةَ: قطعَ عُرْقوبَها وعُرْقوبُ الدَّابةِ في رِجْلِها: بمنْزِلَةِ الرُّكْبَةِ في يَدِها.. وعقرها: ذبحها